محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

132

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

عَلَيْهِ الضَّلالَةُ وقال : أَ فَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وقال : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ وقال : مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وهذا يدلّ على أن لا تفويض وأنّ الإيمان منبع الهداية ، وهو حكم المفروغ . وسرّ آخر : أنّ القرآن بيان للناس والبيان يستدعي مبيّنا ، وقد قال تعالى لنبيّه - صلّى اللّه عليه وآله - : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ . فالقرآن هدى ، والرسول - عليه السلام - هاد ، وهو بيان ، والرسول مبيّن ، والقرآن صامت ، والنبيّ ناطق ؛ فإذا اجتمع البيان والمبيّن وسمع الطالب البيان وآمن بالمبيّن ، فهو له نور وضياء : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ ، وإذا لم يجتمع البيان والمبيّن ، ولم يؤمن الطالب بالمبيّن ، فهو له ظلمة وعمى ، كما قال : وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ وكذلك قال - جل وعزّ - هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ . [ قوله تعالى : لِلْمُتَّقِينَ ] والتقوى « 1 » فعلى من وقيت ، فجعلت الواو تاء ، كالتخمة ؛ فإنّ أصلها وخمة من وخم الطعام ، وكذلك التكلان أصله وكلان من وكلت ؛ واتّقى يتّقي اتّقاء أصله اوتقى ؛ فقلبت الواو تاء وأدغمت إحدى التاءين في الثانية فقيل : اتّقى ؛ ومن أهل اللغة من قال : تقى يتقي بمنزلة وقى يقي ، والأمر تق ؛ ووقيته فاتقى أي منعته فامتنع ؛ وقال ابن السكّيت : أتقاه - بخفّة - يتقيه ، وتقاه يتقيه ؛ ويقال : اتّقى معناه استقبل الشيء بالشيء وتوقّاه ؛ ويقال : اتّقاه بترسه ، إذا جعل الترس حاجزا بينه وبينه ؛ وأتقاه - بخفّة - إذا وقاه ، فجعل الإغطاء وقاية بينه وبين خصمه ؛ ومنه التقيّة في الدين ، وهو أن يجعل ما يظهره حاجزا بينه وبين ما يخشاه من المكروه ، ومن يخشاه من المكره ؛ فالمتّقي هو الذي يتحرّز بطاعته من العقوبة ، وهذا اللفظ ممّا كثر استعماله في الديانات ؛ فصار من الألفاظ الشرعية ، كالإيمان والتوكّل ، وأطلق على كلّ من يحذر المعاصي خوف العقاب . وقال ابن عبّاس : هم الذين يتّقون الشرك والكبائر ( 53 آ ) والفواحش ؛ وقال الضحّاك : المتّقون هم الموحّدون ، وقال : فهم الذين وصفهم اللّه في الآيتين بعده فعرّفهم بالذين يؤمنون بالغيب ؛ وقال الحسن : هم الذين يتّقون ما حرّم اللّه ويؤدّون ما فرض اللّه ؛ وقال ابن

--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : اللغة .